علم الأحياء النمائي والتطوري
لماذا لا تمتلك جميع الزواحف أطرافًا؟
مدة القراءة: 8 دقائق
المحررين: مهند درديري
المدققين اللغويين: مهند درديري
تحريراً في ١٨ يونيو ٢٠٢٠

علم الأحياء النمائي التطوري (Evo-Devo), هو أحد فروع علم الأحياء المهتم بمقارنة العمليات النمائية في الكائنات الحية, ومعرفة كيفية ظهور الاختلاف الظاهري و الوراثي ما بين هذه الكائنات رجوعًا إلى أصلها المشترك. ونستطيع تشبيه مكونات هذا المجال بمكونات المعزوفة الموسيقية. بداية بتشبيه القواعد النيتروجينية الأربعة (A, T, C, G) المكونة للحمض النووي (DNA) بالنُوَت الموسيقية. وترتيب هذه الأحرف الأربع في مُوَرِّثَات أو جينات (Genes) كالمعزوفات الجميلة. وكحال جميع المعزوفات فهي تحتاج إلى قائد للمعزوفة (Maestro) وفي حالتنا هذه فهي مجموعة من التتابعات المنظمة للتعبير الجيني (Regulatory elements) بجانب عوامل النسخ البروتينية (Transcription factors) حيث أن تفاعل كليهما ينتج عنه تحكم وقتي ومكاني لتعبير كل مُوَرِّثَ (Gene) يشبه تحكم كل قائد معزوفة في فرقته الموسيقية, حيث أن تناسق وتناغم هذا التعبير للمُوَرِّثَات المختلفة سوف يؤدي الى إتمام النمو في شكله الصحيح .


معززات التعبير الجيني (Genetic enhancers) هي إحدى أنواع التتابعات المنظمة للتعبير الجيني. في الآونة الاخيرة تحاول الكثير من الدراسات فهم طبيعة تركيب هذه المعززات وأيضا فهم كيفية سيطرتها على التعبير الجيني. في الوقت الحالي واعتمادا على كثيرٍ من الأبحاث في مجال الأحياء النمائي التطوري يرجح العلماء أن الاختلافات في طبيعة وتركيب هذه المنظمات الجينية (Regulatory elements) قد يكون مسؤولا عن الاختلاف في شكل مكونات الجسد, كاليد والأرجل وغيرهم, لدى الكثير من الفقاريات, ولكن الكيفية الوراثية والجزيئية لفهم طبيعة هذا الاختلاف ما زالت مصدر تساؤل وبحث.


في هذه المقالة العلمية, قام العلماء بإكتشاف الدور الجزيئي لإحدى معززات التعبير الجيني (Genetic enhancers) والتي تدعى ZRS, وهي مسؤولة عن تنظيم تعبير المُوَرِّث أو الجين (Sonic hedgehog) الذي بدوره يعمل على تكوين الأطراف في الفقاريات. حيث وجد العلماء أن هذا المعزز محفوظ في وجوده و معظم تكوينه في الكثير من الفقاريات أمثال الإنسان, و الفئران, و الأسماك والثعابين. ولكن في نفس الوقت, أرجع العلماء إختفاء الأطراف في الثعابين للإختلافات التركيبية (إختفاء بعض القواعد) في التتابع المكون لهذا المعزز في الثعابين عنه عن باقي الفقاريات المختبرة في هذه الدراسة. ظنا منهم أيضا أن هذا نتاج لطبيعة البيئة التي تعيش فيها الثعابين (Ecological niche) و انتخاب عدم وجود الأطراف على مر السنين جاء ملائما لهذه البيئة ومساعدا الثعابين على البقاء والتكاثر (Evolutionary pressure).


ولفحص هذه النظرية قام العلماء بعمل أربعة تجارب رئيسية مختلفة. كانت التجربة الأولى تجربة فئران معدلة وراثيا ,حيث تم استخدام معززات ZRS من ستة عشر كائناً فقارياً مختلفاً بدايةً من الإنسان مرورا بالفئران, والدجاج والزواحف و الأسماك و البقر و الثعابين وغيرهم. حيث تم الكشف عن التعبير المكاني لهذه المعززات في الفئران المعدلة وراثيا. وبالفعل ففي كل الفئران المعدلة وراثيا بمعززات الفقاريات المختلفة تم رصد التعبير الجيني في الأطراف النامية للفئران, فيما عدا نوعان من المعززات القادمة من الثعابين. مما يدل على أن الاختلاف في هذه المعززات في الثعابين قد يؤدي الى إختفاء ظهور الأطراف.


ولتأكيد الملاحظة السابقة قام الباحثون باستخدام تقنية CRISPR/Cas9 mutagenesis, وهي تقنية مستحدثة لإنتاج طفرات موجهة في المادة الوراثية, لمحو المعزز ZRS في الفئران. وبشكل مفاجئ ونتيجة لذلك نمت فئران شبه منعدمة الأذرع والأرجل مما يؤكد أن لهذه المعززات دور محوري في تشكل الأطراف في الفقاريات. ثم اتبع العلماء التجربة السابقة بتجربة CRISPR/Cas9 mutagenesis أخرى, حيث استبدل العلماء معزز ZRS في الفئران بمعزز ZRS من ثعبان الكوبرا, وجائت النتائج كما هو متوقع حيث نمت فئران شبه منعدمة الأطراف, أطلق عليها العلماء اسم الفئران المتثعبنة.


وأخيرًا في التجربة المفتاحية في هذا البحث, وجد العلماء أن سبعة عشر تتابعًا من القواعد في معزز ZRS قد تلعب دورًا هامًا في وظيفة هذا المعزز. فتلك التتابعات توجد في معزز الفأر ولا توجد في معزز الثعبان, ومن ذلك قام العلماء بتجربة إنقاذ وراثية (Rescue experiment) عن طريق إعادة إدخال هذه السبعة عشر تتابعًا في الفئران المتثعبنة, ونتيجةً لذلك نمت أطراف هذه الفئران مجددًا, مما يعني أن هذه التتابعات هي أهم عامل مؤثر داخل هذا المعزز. وتعتبر هذه النتيجة مذهلة, حيث أن طول المادة الوراثية في الفأر تصل إلى إثنان ونصف بليونًا من التتابعات أو القواعد النيتروجينية, وبمجرد محو سبعة عشر تتابعًا فقط يؤثر ذلك على نمو الأطراف.


وفي النهاية تعرف العلماء على أنواع عوامل النسخ البروتينية التي يمكنها الارتباط والتفاعل مع هذا المعزز لإتمام عملية التشكل في الفقاريات. ولكن على الجانب الآخر ذكر العلماء أن التجربة المعاكسة وهي محاولة إنماء أطراف لدى الثعابين باستخدام معزز الفئران قد تكون صعبة الحدوث حيث أن هذه العملية في الأغلب تحتاج لأكثر من مُوَرِّث واحد وأكثر من تتابع تنظيمي, فهي ليست ببساطة فقد الأطراف.


بهذا استطاع العلماء اكتشاف كيفية تحكم المعززات الوراثية أو قائد المعزوفة الموسيقية في تعبير الجينات على المستوى الجزيئي والوراثي لإنتاج معزوفة متناسقة من التعبير الجيني, ينتج عنها تكوين وتَشَكُل مُحْكَم ومُتناغم لمُكونات الجسد في الكائنات الفقارية.


المراجع Kvon, E. Z. et al. Progressive Loss of Function in a Limb Enhancer during Snake Evolution. Cell, 2016